حول الدكتور

_MG_9969

نبذة عن حیاة الدکتور محمد صادق الکرماني

ولد الدكتور محمد صادق أبو القاسم الكرماني عام 1947م في أسرة مؤمنة في النجف الأشرف، أمضى طفولته في النجف الأشرف ثم إنتقل مع والديه إلى بغداد التي أتم دراسته الإبتدائية والإعدادية والثانوية فيها. في عام 1966م قبل في كلية الطب وتخرج منها عام 1973م، زاول مهنة الطب في بغداد بين عامي 1973م و 1979م.

كنت طبيباً بديناً

لا أتذكّر متى وفي أيّ عام بدأتْ رحلة زيادة الوزن؟ وكل ما أتذكّر أنّني عندما أكملت دراستي في كلية الطب عام (1972م) كان وزني في ذلك الوقت ( 82 كغم ) ، وطولي( 186 سم ) ، وعمري( 25 عاماً ) . ويبدو أنّ النمو الطولي
قد توقّف ، لتبدأ رحلة النمو العرضي المشؤوم ..!

 ومضت السنوات ووزني في إرتفاع، لم يمض على تخرّجي أكثر من ( 20 عاماً)؛   أي في عام ( 1992 م ) ـ أهدى لي إرتفاع وزني أوّل هداياه المشؤومة بصورة إرتفاع في ضغط الدم ، و بدأت تناول الأدوية اللازمة ، وما هي إلّا  أشهر قلائل حتى رأيت نفسي راقداً في وحدة إنعاش القلب ..! و مرّت الأشهر العجاف لتهديني الأعراض المرضية لعجز القلب ، وتلتها أعراض العجز التنفسي..! لتضيف إلى مصائبي مصيبة جديدة ، وإلى آلامي ألماً آخر ، ولقائمة الأدوية التي التهمها دواءاً آخر .

 مع حلول عام ( 1994 م ) أصبح وزني( 108 كغم ) وعمري( 47 عاماً ) بدأت أشعر و أنا أرتقي سلالم الطوابق الثلاثة التي توصلني إلى محل عملي في العيادة الطبية الخاصّة بالحاجة إلى التأنّي بالصعود … والتوقف بالطريق … وعند وصولي إلى غرفتي كنت بحاجة إلى دقائق من الوقت لأستعيد أنفاسي ..!

كل هذه الأُمور دعتني لإعادة النظر في الأسباب الكامنة وراء هذا التدهور السريع لصحتي ، و أخيراً عرفت السبب الحقيقي..! ووقعت على أصل الكارثة والبلاء ..! إنّه الأُخطبوط المرعب ..! والسرطان القاتل الذي يترصّد لسلامة وصحة حوالي( 33 % ) من  نفوس العالم …! ويشغل بمضاره، ومشاكله، وتبعاته أكثر من ( 30 % ) من أسرّة المستشفيات في العالم .

فمن هو هذا الضيف المشؤوم يا ترى ؟ إنّها السمنة التي تنزل بأناملها السحرية المحبوبة البلاء على رؤوس الذين يفتحون صدورهم لضيافتها ..! صمّمتُ جدياً لمحاربة هذا الغول مهما كلف الثمن ، لم أعرف حينها الوسيلة الناجحة للقضاء عليه ، فلم أكن في ذلک الوقت أعرف من أين تؤكل الكتف ؟!

فمضيت باحثاً عن الطرق الموصلة للهدف الذي أرنو إليه ، وبدأت مطالعات واسعة في علم التغذية ، وبعد أكثر من ستة أشهر من التحقيق والمطالعة عثرت على ضالّتي .

لم يكن السلاح الذي عثرت عليه سلاحاً نارياً، أو نوويآ… ولكنه كان قائمة المأكولات التينظّمتها وكتبتها بدقّة متناهية، لتساعدني على القضاء المبرم على هذا السرطان الخطير، والضيف الثقيل .

أعطيت القائمة الغذائية لزوجتي، وكلّي أمل بأن هذه القائمة الغذائية ستضع حدّاً للأضرار الناجمة عن السمنة التي عانيت منها الأمّرين ، وصمّمت أن يكون هذا اليوم هو اليوم الأوّل للصراع مع النفس الأمّارة .

عدت عند الظهيرة للبيت متعباً من عملي الشاق في عيادتي الطبيّة، كانت زوجتي قد أعدّت الغذاء طبق البرنامج الذي حدّدته لها ، وضعتْ الغذاء المحدود أمامي، وكانت الكميّة أقلّ بكثير مّمـا كنت أتناوله يومياً ، ولو كان غيري قد كتب قائمة الأغذية هذه لنال منّي اللعن والسباب ..! ولكن ما العمل؟ فأنا كاتبها فما كان منّي إلّا  أن قلت  : « إنّا لله وإنّا إليه راجعون » ، و بدأت بالأكل ، لم تمض إلّا  ثوانٍ معدودة، حتى رأيت الصحن أمامي فارغاً… فقد نسفته نسفاً… وتركته قاعاً صفصفاً…!

ما العمل ؟ إنّني لازلت أشعر بالرغبة الملحّة للأكل ، النفس الأمّارة تدعوني للإستمرار… والعقل يدعوني للإنسحاب … دخل العقل في صراعه مع النفس ، وياله من صراع تقليدي دامي؛ تتغلب فيه عادةً قوى النفس الأمّارة على قوى العقل « إلّا  مَن رَحِمَ رَبِّي » ، كنت أسمع الحوار الذي يدور بين العقل والنفس الأمّارة :

ـ العقل:لا تأكل! ففي الزيادة ضرر .

ـ النفس:كُلْ ! فلا ضرر في العدد القليل من اللقم الإضافية .

ـ العقـل:لا تأكل فإنّ الأضرار الكبيرة تبدأ من اللقيمات الصغيرة،كما تتكوّن الأنهار الكبيرة من الروافد والجداول الصغيرة ، وتلك بدورها تتكون من قطرات المطر الصغيرة .

ـ النفس:لا تكترث.. لهذا الهراء .. وكما يقول المثل  : « عش يومك ودع غدك للقدر ».

ـ العقـل :إذا استجبت وأكلت فغدك سيكون أسوداً ..!

ـ النفس:كل ! فالشبع خير من الجوع .. واليوم المعلوم خير من الغد المجهول .

ـ العقـل:لا تأكل! فهذه خدعة ومراوغة يراد منها تضليلك.

ـ النفس:لا خدعة.. ولا مراوغة في الأمر.. فكلّ عاقل يفضّل الشبع على الجوع .

العقـل:هذه مغالطة مفضوحة .

ـ النفس:أية مغالطة في هذا الأمر الواضح ؟

ـ العقـل:هناك فرق شاسع بين الرغبة للاكل والجوع .

ـ النفس: دعنا من هذا الهراء ، إنّكم تلعبون بالألفاظ، فلا فرق بين الجوع، والرغبة في الأكل .

ـ العقـل:الجوع إشعار من مركز التغذية في الدماغ بوجود نقص في خزين الطاقة بالجسم ، أمّا الرغبة في الأكل فهي إيعازات تصدرها العوامل الوراثية للسلوك الغذائي للإنسان، وليس لمقدار خزين الطاقة في الجسم؛ أي ارتباط بهذا الأمر .

ـ النفس:حسناً..! لنبدأ البرنامج الغذائي من الغد .

ـ العقـل:إنّها مراوغة وخدعة جديدة .

ـ النفس:أ يّة خدعة تعني، وما سيكون تأثير هذا اليوم؟.  .

ـ العقـل:ليس ليوم واحد تأثير يذكر ، والخدعة تكمن في كونك ستقول غداً ما قلته اليوم؛ أيّ ستقول غداً: لنبدأ يوم غدٍ .

ـ النفس:حسناً خذها واعتبرها آخر مرّة .

قبل أن يتفوّه العقل بنصائحه ، وينهي الصراع لمصلحته حتى شعرت أن يدي قد امتدت، وأناملي قد التفت على قطعة الحلوى الموجودة على المائدة، ونقلتها إلى فوهة المصيبة والبلاء ، إلى الفوهة التي طالما جرّت الكوارث والمصائب والأمراض للبشرية ، فوهة البلاء التي قتلت.. وتقتل.. وتنال من الأرواح أكثر مّمـا تناله السيوف والحروب والكوارث الطبيعية. إنّها فتحة الفم! التي كانت ولا زالت أهم مصدر لإرتزاق الأطباء.

كان هذا أوّل يوم من أيام البرنامج الغذائي ، وهذه أوّل هفوة إرتكبتها.

ومضت الأيام مليئة بأمثال هذه الهفوات والمغالطات ، وانتهى الاُسبوع الأوّل من البرنامج الغذائي، وكلّي حزن وأسىً للهفوات التي حصلت نتيجة تغلّب قوى النفس على قوى العقل. كان للفشل الذريع الذي سجلته وقع كبير، دعاني للتفكير في أسباب هذا الفشل ، لا أحتاج لوقت كثير، لإكتشاف السبب ؛ فالسبب أوضح من الشمس:

إنه ضعف الإرادة ، فما العمل لتقويتها؟

ذهبت باحثاً عن الطريق الأسلم لتقوية إرادتي الضعيفة، وأخيراً التجئت إلى القَسَم الشرعي لتقوية إرادتي، وتصميمي للإلتزام بقائمة الأغذية التي كتبتها ، ولكنّي خشيت من عواقب غلبة الهوى، وعدم التمكن من الإلتزام بالقَسَم الشرعي ، وهذا قد يسبّب لي مشاكل شرعية أنا في غنىً عنها ، فعمدت إلى النذر، وأتذكر أنّني نذرت في وقتها أن أُعطي للفقراء مبلغاً يعادل ( 100 دولار ) إذا تجاوزت الأكلات المحدّدة لي في قائمة التغذية المخصصة .

لم يكن ضعف إرادتي السبب الوحيد في انكسار جيوش العقل! أمام عساكر النفس! كانت للمائدة نفسها آثار الإغراء والإغواء الخاصّة بها ، حيث كنت أُلاحظ أنّ المغريات والأكلات المختلفة الموجودة على المائدة، لها دور مهم في استمراري بالتهام الطعام بدون حساب ، فكّرت أن أضع حدّاً لهذا الإغراء والإغواء ، فذهبت إلى السوق لأعود وفي يدي سفرة جديدة؛ وهي عبارة عن صحن كبير ـ  كالصحون التي تستعمل في المستشفيات  والمعامل والمطاعم الجامعية.
عدت بالصحن فرحاً إلى البيت ، وكلّي أمل بأنّ هذا السلاح الجديد سيساعدني في معركتي المقبلة ، ولكنّ القلق لا زال ينتابني في الإنتصار ، ما فائدة هذا الصحن إذا وضعته على نفس تلك المائدة، فالأغذية الاُخرى لا زالت في متناول يدي، فلا مهرب لي سوى الانفصال عن المائدة المغرية بأكلاتها إلى مكان آخر ؛ وعلى هذا حدّدت إحدى زوايا غرفة الطعام، كمحل دائم لتناول الطعام ، وذهبت إلى أكثر من ذلك.. فقرّرت أن لا أتناول أيّ طعام ـ مهما قلّ حجمه ـ إلّا في هذا المكان .

أخبرت زوجتي بقراراتي الجديدة! لأعود بعد الظهيرة وأرى صحني الخاص، مع الأكل الخاص، وقد وضع في المكان الذي خصصته لتناول الطعام.

كان طعامنا في ذلك اليوم عبارة عن الرز، مع قطعة من اللحم المشوي ، وكانت حصتي من الرز في ذلك اليوم ـ  وحسب البرنامج مكيال ونصف المكيال (ملّاس) أو ما يعادل ( 9 ملاعق كبيرة ) من الرز  ـ وهذا لا يتناسب مع ما كنت أتناوله من قبل ! فلو عمدت لتناول الرز بيدي، لكان يكفي أن التهمه كاملاً بلقمتين! ولو تناولته بالملعقة لما تجاوز التسع ملاعق ، وفي الحالتين يكون طعامي قد انتهى خلال الدقائق الاُولى من جلوسي أمام الصحن ،  وهذا ما سيسبّب لي عدم الاحساس بالشبع ، ورغبة جامحة للإستمرار بالأكل ، وكان لا بدّ لي أن أضع حدّا لهذا الأمر ، وأجد حلّا ً لهذا المعضل الجديد ، فقرّرت أن أتناول الرز بملعقة الكوب ( ملعقة متوسطة ).

ومع البدء بالإستفادة من ملعقة الكوب بدأت أشعر بأنّ الوقت الذي أصرفه لتناول الوجبة قد طال ، وبدأت أحس بمشاعر الرضا، وأنا أتناول المقدار القليل من وجبة الطعام .

ولا أُخفي على القاريء العزيز أنّني عندما كنت أشعر بالجوع والرغبة الشديدة للأكل كنت أَلجأ للإستفادة من ملعقة الشاي ..! ويا لها من سعادة كبيرة..! عندما ترفع رأسك من المائدة لترى الجميع قد إنتهوا من تناول طعامهم وأنت لا زلت تأكل بتلك الملعقة الصغيرة..! وهذا الأمر كان يكفي لإرضائي؛ لأنّ المهم عندنا هو تحرّك الفك والمضغ ! أمّا مقدار الأكل الموجود فيالفم فليس بالأمر المهم .

مضى أُسبوعان على البداية الأخيرة، مع الإستعانة بالقرارات الجديدة، لأجد وزني قد هبط بمقدار ( 200 / 5 كغم ) ، أحسست بزهو النصر يغمرني..! وأنا أنظر إلى الميزان ، لأجد هذا الرقم المحبوب الذي لم أره منذ سنوات..! خلتُ أنّها ساعة اللذّة الحقيقية ، أنّها لحظات النصر التي يشعر بها الإنسان، وهو يتغلّب بقوى العقل على عساكر النفس والهوى.

وما هي إلّا  أشهر أربعة حتى وجدت نفسي واقفاً على كفّة الميزان… لأنظر أمامي الرقم السحري الذي طالما كنت أرنو إليه… وأحلم به … نعم! رأيت بأُم عيني الرقم ( 88 كغم ) يتلالأ أمامي في الميزان..! بعد أن كان الرقم (108 ) يتربّع عليه بكل اُبهة.. واختيال، لسنين عجاف لم أرَ فيها غير التدهور والإنحطاط .

نعم! استطعت وبكل سهولة تخفيف ( 20 كغم ) من وزني ، أمّا الآثار والنتائج التي تمخّضت عن هذا الصراع، فيمكن إختصارها في النقاط التالية:

1 ـ ترك كافة أدوية الضغط والقلب، التي كنت استعملها لسنوات طوال بشكل نهائي.

2 ـ إحساس غير متعارف بالنشاط والحيوية.

3 ـ زوال آثار العجز القلبي، وآثار تورّم الساقين الناتجة عنها.

4 ـ زوال آثار الإرهاق والتنفس السريع،الذي كنت أشعر به عند صعود سلالم الطوابق الثلاثة الموصلة لمحل عملي.

5 ـ الوصول إلى الرشاقة المطلوبة .

6 ـ حصولي وبكل سهولة على الملابس الجاهزة والمناسبة من محلات بيع الملابس الجاهزة، بعد أن كنت اُعاني الأمرّين من هذا الأمر .

لكن وبعد انتهاء الاُسبوعين الأوّلين بدأ هذا الشعور بالإضمحلال والزوال،كان ذلك الإنتصار في أواخر عام ( 1994 م ).

ربما يتصوّر الجميع بأنّ المشكلة قد رحلت والمصيبة قد إنتهت والسمنة اللعينة قد ولّت، ساحبة خلفها جيوشها المتقهقرة، كلّا ! فالأمرليس بهذه السهولة..! فالنفس الأمّارة والرغبة الجامحة للأكل لا زالت تحاول تجميع قواها لإعادة هجومها الجديد ،وإرجاع  دكتاتور السمنة المخلوع إلى  عرشه.

فنهاية عام ( 1994 م ) التي إعتبرناها نقطة الإنتصار ، في الحقيقة هي نقطة البداية لصراع طويل ..! طويل جدّاً..! يبدأ من نقطة الإنتصار، وينتهي مع إغلاق سجل وجود الإنسان في هذه الحياة.

اليوم وأنا أكتب هذه الأسطر، وكلّي شعور بالرضا؛ لأنّ ( 9 سنوات) مضت وأنا أحتفظ بنفس الوزن دون تغيير.

 


جمیع الحقوق محفوظة للدكتور محمدصادق الكرماني - 2016©